الراغب الأصفهاني
286
الذريعة إلى مكارم الشريعة
الحلف أقبح من الكذب اليمين الفاجرة « 1 » فيها مع الكذب الاستهانة بالمقسم به ، وحق المسلم أن يتحاشى من الاستعانة باليمين في الحق فكيف في الباطل ، وأن يتحقق تقدير القسم وما يراد به ليعلم أن الأغراض الدنيوية أوبخ أمرا وأخس قدرا من أن يفزع فيها إلى الحلف باللّه ، وتقدير ذلك قول القائل إذا قال تاللّه إن لي عليك كذا أي كون ذلك لي عليك حق كما أن وجود اللّه تعالى حق ، وهذا كلام يتحاشى منه من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من تعظيم اللّه وقد قال اللّه سبحانه : وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا « 2 » وقال : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا « 3 » الآية وقال عليّ رضي اللّه عنه ( الحلف ينفق السلعة ويمحق البركة ) « 4 » ولم يخص يمينا من يمين . وأما قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « من لم يحلف على ماله فلا مال له » « 5 » فإنه وإن كان بنظر الفقهاء يتصور أنه مفسحة في الحلف صادقا فإنه بنظر الحكماء يحث على إيثار التعظيم للّه سبحانه وتعالى وتقديمه على إيثار المال وتعريض بأن الذي فاته هو عرض حاضر لا الدين والمروءة « 6 » .
--> ( 1 ) في ط « الحلف الكذب أقبح من اليمين الفاجرة » وفي د ، ط هكذا . ( 2 ) البقرة / 41 . ( 3 ) البقرة / 224 . ( 4 ) هذا حديث صحيح رواه مسلم « الحلف منفقة للسلعة ممحقة للربح » وفي رواية أخرى « إياكم وكثرة الحلف في البيع ، فإنه ينفق ثم يمحق » صحيح مسلم كتاب المساماة / 27 حديث / 1228 . طبعة الإفتاء بالسعودية . ( ج 3 ) . ( 5 ) لم أقف عليه في مظانة ، ويبقى غير حديث حتى يثبت عكس ذلك عند أهل الحديث . ( 6 ) في النسخة د ذكر المصحح أنه رأى في نسخة أخرى زيادة « وهي إشارة إلى قوله تعالى : قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ . . . » الآية / التوبة 24 .